قصة بيت.. قصة عائلة ..
ذكريات قرن مضى !..
هذا بيتنا..بيت عائلتنا..عائلة جبري!..

بيتُ بني عام 1737 و بدأت قصتنا معه عندما اشتراه جدي"محمد طلعت بن نعمان أغا جبري"من السيد درويش أفندي ,والد شاعر الشام شفيق جبري .

عاشت العائلة في هذا البيت منذ عام 1905 م,و عاصرته أجيالنا لأكثر من نصف قرن.

حتى عام 1977 م حين اضطرت العمات لتركه بسبب تقدمهن في السن الذي منعهن من خدمته و رعايته . و هنا طوت السنين عليه و استسلم البيت لقسوة الهجر و برد النسيان ,بعد أن هجرته أنفاس العائلة التي كانت ترعاه .فأخذ يتصدع و بدأت أجزاؤه تنهار تحت ثقل الإهمال.. بات عجوزاً تهمس كل زواياه بأنه وحيد !

في تلك الفترة كنت لا أزال شاباً صغيراً ,أراقبه بحنين كبير ,أحلم بين نافورته و النارنجة الشامخة في أرض دياره ,و يملؤني اليأس !.فأنا لا املك الإمكانية لإصلاحه أو تطويره .
إنني واحد من ورثته الكثيرين الذين لم يتفقوا يوماً على ترميمه و توظيفه ,لكني حزني لهجره ألمي لخرابه لم يفارقني ..

إنه البيت الذي سكنني حبه لدرجة العشق!..طفولتي معلقة على أغصان أشجاره ,ومجمعُ لثروة فنية و تاريخية مرمية بهرت كل من رآها ..

و يوماً ملأني الأمل بفكرة جديدة !..تحويل البيت إلى مطعم سينقذه من الاندثار ..فالمطعم سيؤمن المورد اللازم لترميمه و لكن كم هو طويل الدرب بين الحلم و الواقع!..ركضت كثيراً بين ورثة عديدين ..للبعض الفضل في بداية الترميم ,و البعض ساعدني بكل ما استطاع ولا زلت أحملُ لهم كل الامتنان .بينما حاولت بجد أن أتواصل مع الورثة الباقين الذين تفرقوا في العالم لأذكرهم بحلم جميل تركوه خلفهم منسياً في دمشق !..

و لأقنعهم بمشروع يتهالك تحت الغبار ,و ترميمه يكلف الكثير !..

و أخيراً فتحت أبوابه للزوار على أن يبقى على بساطة قدمه أنسه العائلي ..أبقيته في العمق بيتاً دمشقياً لا مطعماً !..

ومع الكثير من العناء والشكوك بدأت الترميم ببطء. فنفضّتُ عن بيت ذكرياتي غبار الهجر. وبدأت باستقبال الأصدقاء لأموّل الترميم. بينما تناقل الأصدقاء العنوان ليستمتعوا بنافورة الماء وهمس المساء وروح دمشق القديمة. ركّزت على تقديم حواضر البيت للزوّار فهي أيضاً جزءٌ من تراث هذا المكان العزيز.. لم توقفني العقبات يوماً عن متابعة الدرب الصعب. رغم أن البيت أُغلق عدة مراتٍ بالشمع الأحمر بسبب شكوى الجوار.. فأهل الحي الذين لم يألفوا الحركة الغريبة.. شكّوا بأمور عجيبة لا تقبلها عاداتنا الشرقية.. فهو بيتٌ مهجور يفتح بابه المغبّر كل مساء لمجموعة من الزوار الغرباء!.. ولم يفهموا المشروع إلا حين صار شهيراً!.. ولأنني أردت أن أعطي المكان طابعاً ثقافياً أيضاً، خصصت قاعة للمعارض الفنية، وحافظت على إقامة ندواتٍ ثقافية وأمسياتٍ شعرية وموسيقية بشكل متواتر، ومستقبلاً ستتواجد مكتبةٌ لبيع وشراء الكتب الأدبية المستعملة. ولازال الحلم مستمراً.. في الحقيقة ، لا أدري كم نحن بحاجةٍ إلى مثل هذا البيت، ولا كم هو بحاجةٍ إلينا!.. لكنني أحسُّ فعلاً أن لهذا المكان روحاً تنعش القلب وتشع بالسكون.. وهي ما دفعني للعمل بجدٍ لسنوات حتى أحقق الحلم الذي راودني طويلاً!.. هذه هي قصتي مع بيت جدي..بيت جبري..

فليغمركم الفرح بزيارته كما يغمرني..

أنتم زواره ..البيت بيتكم!.

رائد جبري